السيد كمال الحيدري
30
تأويل القرآن (النظرية والمعطيات)
جميع آيات الكتاب المحكمة والمتشابهة التي فيها إخبار عن الغيب الذي أُمرنا أن نؤمن به لا يعلم حقيقة ذلك الغيب ومتى يقع إلّا الله . وقد يستدلّ لهذا أنّ الله جعل التأويل للكتاب كلّه مع إخباره أنّه مفصّلٌ بقوله : وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ . . . « 1 » ، فجعل التأويل الجائي للكتاب المفصّل . وقد بيّنا أنّ ذلك التأويل لا يعلمه وقتاً وقدراً ونوعاً وحقيقةً إلّا الله ، وإنّما نعلم نحن بعض صفاته بمبلغ علمنا لعدم نظيره عندنا . وكذلك قوله : بَلْ كَذَّبُوا بما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ « 2 » والكناية عائدة على القرآن أو على ما لم يحيطوا بعلمه وهو يعود إلى القرآن . الفرق بين التفسير والتأويل تبيّن أنّه يمكن أن يحيط أهل العلم والإيمان بعلمه ولمّا يأتهم ؛ لما أشرنا إليه من قوله تعالى : بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ومعنى ذلك أنّ الإحاطة بعلم القرآن ليست إتيان تأويله ، فإنّ الإحاطة بعلمه معرفة معاني الكلام على التمام ، وإتيان التأويل نفس وقوع المخبر به ، وفرق بين معرفة الخبر وبين المخبر به ، فمعرفة الخبر تفسير القرآن ومعرفة المخبر به هي معرفة تأويله . ونكتة ذلك أنّ الخبر لمعناه صورة علمية وجودها في نفس العالم
--> ( 1 ) الأعراف : 52 ، 53 . ( 2 ) يونس : 39 .